في قراءةٍ لافتة لتطور أدوات جمع البيانات في الأردن، يعود النقاش حول التعداد السكاني الإلكتروني إلى ما كتبه د. سامر أبو رمان، المشرف العام لمركز عالم الآراء لاستطلاعات الرأي، قبل أحد عشر عامًا، حين دعا إلى الاستفادة من التسجيل الإلكتروني لتقليل الكلفة ورفع كفاءة التعداد السكاني.
ففي مقالين نُشرا في الأول من ديسمبر/كانون الأول 2015، تحت عنواني: «توفير الملايين في التعداد السكاني!» و«لماذا غاب خيار التعداد السكاني الإلكتروني في الأردن؟»، طرح د. أبو رمان تساؤلات مهنية حول جدوى عدم إتاحة التسجيل الإلكتروني ضمن خيارات التعداد، مستندًا إلى ما تتيحه الأدوات الرقمية من اختصار للوقت، وتخفيف للأعباء اللوجستية، ورفع مستوى الدقة، وتقليل الكلفة المالية.
ولم يكن الطرح حينها مجرد دعوة تقنية، بل انطلق من رؤية أوسع ترى أن التعداد السكاني مشروع وطني كبير، وأن نجاحه يرتبط بقدرة المؤسسات على توظيف التحول الرقمي، مع الحفاظ على دقة البيانات وخصوصية الأفراد وثقتهم بآليات جمع المعلومات.
وفي إطار متابعته لهذا الملف، استعرض د. أبو رمان لاحقًا تجربة خيار التعداد السكاني الإلكتروني في الكويت والأردن، مؤكدًا أن التطور في أدوات جمع البيانات لا يلغي دور الباحثين الميدانيين، لكنه يضيف مسارًا مرنًا يتيح للمواطن المشاركة بطريقة أكثر سهولة، ويمنح الجهات الإحصائية فرصة لترشيد الموارد وتوجيه الجهد الميداني إلى الفئات والمناطق التي تحتاج متابعة مباشرة.
وخلال اللقاء الذي دعت إليه دائرة الإحصاءات العامة في عام 2026، بحضور مديري ومسؤولي مراكز استطلاعات الرأي العام، عاد موضوع التعداد الإلكتروني إلى الواجهة. وفي رده على مداخلة د. أبو رمان، أكد عطوفة مدير عام دائرة الإحصاءات العامة، د. حيدر فريحات، أن خيار التسجيل الإلكتروني قد تم اعتماده بالفعل، وأن ما يقارب ثلث المشاركين قد سجّلوا إلكترونيًا حتى الآن.
ويعكس هذا التطور انتقالًا عمليًا من الفكرة التي طُرحت قبل أكثر من عقد إلى التطبيق على أرض الواقع، بما ينسجم مع متطلبات التحول الرقمي في الأردن. كما يفتح المجال لمزيد من النقاش حول تطوير المنصات الرقمية، وتسهيل الوصول إليها، ورفع الوعي بأهمية المشاركة في التعداد، بالتوازي مع تعزيز تأهيل الباحثين الميدانيين وضمان حماية البيانات.
إن التعداد الإلكتروني لا ينبغي النظر إليه بوصفه بديلًا كاملًا عن العمل الميداني، بل أداة مكمّلة تعزز كفاءة العملية الإحصائية وتمنح المواطن خيارات أوسع للمشاركة. ومع استمرار التوسع في استخدامه، يبقى التحدي الأهم هو تحقيق التوازن بين السرعة والكلفة من جهة، والجودة والتمثيل الشامل والسرية من جهة أخرى.
روابط المقالات السابقة:
