في إنجاز بحثي جديد يجمع بين الرصانة الأكاديمية والتطبيق الميداني، نشرت “مجلة العمل الإنساني الإسلامي” (Muslim Humanitarianism Review)، وهي مجلة علمية محكمة تصدر عن جامعة إنديانا بالولايات المتحدة الأمريكية، دراسة تخصصية موسعة بعنوان: “قياس الصورة الذهنية للمنظمات الخيرية: دراسة حالة جمعية نماء في الكويت”.
شارك في إعداد هذه الدراسة فريق بحثي دولي يضم كلاً من: د. سامر أبو رمان (جامعة جورج ميسن ومستشار منظمة UMR) ومشرف عام مركز عالم الآراء، أ.د. عبد الرزاق الشايجي (جامعة الكويت)، د. سارة يحيى (مركز عالم الآراء وجامعة القاهرة)، والباحث صبري الرمحي (عالم الآراء).
فلسفة الدراسة وأهدافها
تنطلق الدراسة من فرضية أساسية مؤداها أن الصورة الذهنية ليست مجرد انطباع عابر، بل هي أصل استراتيجي يؤثر بشكل مباشر على استدامة التبرعات وتدفق الموارد البشرية والمالية. وقد ركز البحث على جمعية “نماء” الخيرية في دولة الكويت كنموذج تطبيقي.
هدفت الدراسة إلى الإجابة عن تساؤلات جوهرية حول مستويات المعرفة بخدمات الجمعية، ومدى رضا أصحاب المصلحة عن أدائها، وحجم الثقة التي يوليها المجتمع للمؤسسة، مع التركيز على خمس فئات رئيسية (Stakeholders): مجلس الإدارة، الموظفون، الجمهور العام، المستفيدون، والأئمة والخطباء.
منهجية بحثية “مختلطة” بمعايير دولية
ما يميز هذه الدراسة، هو اعتمادها على “المنهج المختلط” (Mixed-methods) لضمان أعلى درجات الدقة:
- المسح الميداني (Survey): شمل عينة واسعة بلغت 919 مشاركاً من مختلف الفئات، مما وفر قاعدة بيانات ضخمة تعكس آراء شرائح المجتمع الكويتي.
- تحليل المحتوى الرقمي (Social Media Analytics): قام الفريق بتحليل ما يزيد عن 3,200 تفاعل عبر منصة (X/تويتر)، لرصد الانطباعات العفوية وتحليل لغة الخطاب الرقمي الموجه للجمعية، وهو ما يعد إضافة نوعية في الدراسات السلوكية للعمل الخيري.
نتائج تفصيلية ونسب مئوية دالة
كشفت الدراسة عن أرقام ومؤشرات تعكس قوة الصورة الذهنية لجمعية نماء، مع تحديد نقاط القوة ومساحات التطوير:
- مستوى المعرفة والثقة: أظهرت الدراسة أن 92.2% من الموظفين و88% من أعضاء مجلس الإدارة لديهم إدراك مرتفع جداً برسالة الجمعية وأهدافها. وعلى صعيد الجمهور العام، كانت مستويات الثقة في نزاهة الجمعية مرتفعة، حيث عبّر غالبية المشاركين عن اطمئنانهم لآليات صرف التبرعات.
- الأداء خلال الأزمات: سجلت الجمعية تقييماً استثنائياً في دورها خلال جائحة كورونا (COVID-19)، حيث رأى 86% من المستفيدين أن استجابة الجمعية كانت سريعة وفعالة، مما عزز من رصيدها الرمزي لدى المجتمع.
- الرضا عن الخدمات والتنوع: بلغت نسبة الرضا العام عن جودة الخدمات المقدمة للمستفيدين حوالي 84.5%، وأثنت العينة على تنوع المشاريع ما بين إغاثية، تعليمية، وصحية.
- البيئة الداخلية: كشفت الدراسة عن “صورة ذهنية داخلية” قوية، إذ أكد 89% من الموظفين فخرهم بالانتماء للمؤسسة، وهو مؤشر حيوي على استدامة الأداء المؤسسي.

تحديات وفجوات اتصالية
رغم الإيجابية العامة، رصد الباحثون بعض التحديات التي يجب الالتفات إليها:
- التفاعل الرقمي: أشار تحليل محتوى منصة “X” إلى أن 65% من التفاعلات كانت تدور حول الاستفسارات، بينما كانت نسبة التفاعل الاستباقي من الجمعية تحتاج إلى تعزيز.
- العلاقة مع القيادات الدينية: وجدت الدراسة أن فئة “الأئمة والخطباء” لديهم صورة إيجابية ولكن “تفاعلية” وليست “شراكة استراتيجية”، حيث يحتاج 40% منهم إلى قنوات تواصل أكثر مباشرة واطلاعاً دورياً على تقارير الإنجاز الميداني.
- سرعة الاستجابة الرقمية: أظهرت بعض النتائج حاجة الجمعية لتقليص زمن الاستجابة على المنصات الإلكترونية لرفع نسبة الرضا لدى المتابعين الرقميين.

توصيات استراتيجية للمستقبل
قدم الباحثون في ختام دراستهم خارطة طريق للمنظمات الخيرية، تضمنت:
- تبني معايير الحوكمة والشفافية: كركيزة أساسية لبناء الثقة الطويلة الأمد ونشر التقارير المالية بشكل دوري ومبسط.
- تعزيز “الدبلوماسية الرقمية”: عبر تحويل المنصات الاجتماعية من قنوات للنشر فقط إلى منصات لبناء الحوار والشراكة مع المتبرعين.
- تفعيل دور الأئمة والقيادات المجتمعية: من خلال إشراكهم في تصميم المبادرات وليس فقط في تسويقها.
- إدارة السمعة الاستباقية: وضع خطط طوارئ إعلامية للتعامل مع أي تحديات قد تمس سمعة القطاع الخيري بشكل عام.
تُعد هذه الدراسة، بصدورها عن جهة أكاديمية مرموقة مثل جامعة إنديانا، إضافة نوعية للمكتبة العربية والدولية في مجال “تنمية القطاع الخيري”
للاطلاع على الدراسة كاملة: يمكنكم زيارة الموقع الرسمي للمجلة التابع لجامعة إنديانا عبر الرابط.
https://scholarworks.iu.edu/iupjournals/index.php/mhr/article/view/8144/793





